ملا محمد مهدي النراقي

235

انيس المجتهدين في علم الأصول

بني المصطلق ، فلمّا دنا ديارهم ، ركبوا مستقبلين له ، فظنّ أنّ ركوبهم لمقاتلته ، فرجع وأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّهم ارتدّوا ، فالأمر بالتبيّن إنّما هو في هذا الخبر لا في مطلقه . وأيّده بأنّ التعليل الواقع فيه يجري فيه وفي أمثاله « 1 » . وجوابه : أنّ تخصّص السبب لا يدلّ على تخصّص الحكم ؛ فإنّ مدار الاستدلال على اللفظ ، واللفظ هنا للعموم ؛ لأنّ التنكير في « فاسق » و « نبأ » للعموم ، وحمله على التعظيم - مع بعده - يرد عليه ما سنذكره « 2 » . وليس المراد من التعليل الوقوع في الفساد المذكور ، بل عرضته . فالمطلوب أنّ قبول خبر الفاسق في عرضة هذا الفساد وشرفه ، كما يقال : لا تسافر وحدك ؛ فيضلّ عنك الطريق . وأيضا إن حمل الآية على المورد بأن يكون المراد منه إن جاءكم مثل الوليد بمثل هذا النبأ الذي يستلزم قبوله قتل النفوس وأمثاله ، فتبيّنوا خوف أن تصيبوا . . . ، فيدلّ بالمفهوم على عدم التثبّت في نبأ لا يكون الجائي به مثل الوليد ، أولا « 3 » يشتمل على مثل هذا الفساد ، فإمّا يجب ردّه وهو ظاهر البطلان ؛ للزوم ردّ خبر عادل يستلزم ردّه قتل النفوس وأمثاله ، فيلزم كون العدل أسوأ حالا من مثل الوليد ، أو قبوله . فمع عدم القول به يندرج فيه المطلوب « 4 » . واعترض عليه أيضا : بأنّ العمل بالمفهوم لا يصحّ في المورد ؛ لعدم قبول خبر العدل في الردّة « 5 » ، فغيره أولى بذلك ، فيلزم أن يكون المراد ب « فاسق » أحدا أو رجلا حتّى ينتظم معنى الآية . والتعبير عنه بالفاسق للإشعار بكون المخبر فاسقا « 6 » . والجواب : أنّه مخصّص من عموم المفهوم بدليل من خارج ، والقول به أولى من صرف

--> ( 1 ) . أورده الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1 : 112 . والقصّة مذكورة في أسباب النزول للواحدي : 268 - 269 . ( 2 ) . في هامش « أ » : « لقوله : وأيضا إن حمل الآية على المورد إلى آخره » . ( 3 ) . في « ب » : « ولا » . ( 4 ) . توضيحه : أنّ المأخوذ في المنطوق أمران : فسق المخبر ، وكون النبأ مهمّا . فللمفهوم عند وجود النبأ ثلاث صور : كون المخبر عادلا والنبأ مهمّا أو غير مهمّ ، وكون المخبر فاسقا والخبر غير مهمّ ، فيدلّ المفهوم على حجّيّة الخبر في الصور الثلاث ، والمطلوب هو القسمان الأوّلان ، والثالث خارج ؛ ولذا قال المصنّف رحمه اللّه : « فمع عدم القول به - أي بعموم المفهوم - يندرج فيه المطلوب » . ( 5 ) . في « ب » : « الردّ » . ( 6 ) . قاله العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 391 - 392 ، باب في السنّة .